الفصل (176) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
❈──────•◈◈◈•──────❈
تنحى الذئاب الواقفون كالتماثيل جانبًا وكأنما جرى بينهم اتفاق صامت، لتنكشف أخيرًا هوية ذلك الظل المشؤوم.
التفت عنق "شارلوت" بحدة في اللحظة التي أبصرته فيها.
ترجل الرجل الذي جلب معه ذلك الحضور المهيب عن جواده، وتقدم بخطى وئيدة خلت من أي مظهر من مظاهر العجلة. كان أضخم ذئب وأشده شراسة رأته في حياتها قط.
أين كانت تختبئ هذه المخلوقات القذرة، لتظهر واحدًا تلو الآخر في اللحظة التي يكاد المرء ينساهم فيها؟
لم تشعر سوى بالاشمئزاز.
أوسكار... بمجرد أن أؤمّن ابني، أول ما سأفعله هو طرد هذه الذئاب النتنة.
ستكون "باربارا فالت" أول من يرحل، وتلك الأجنبية التافهة التي تشبهها؛ هذان الشخصان المزعجان سيكونان أول من أقتلهما.
أمسكت "شارلوت" بالقضبان الحديدية بإحكام، ووجهت كلامها إلى "تافيس" الذي اقترب من البوابة وكأن بوسعه ثني الحديد نفسه:
«افتحها في الحال.»
أطلق "تافيس" تنهيدة مبالغًا فيها:
«همم.»
نظر إلى الأسفل نحو ماركيزة "راينهارد" السابقة.
مهلاً... إن كانت هي الماركيزة السابقة، فبماذا يجدر بي أن أناديها الآن؟
وبعد تفكير وجيز في هذه الفكرة العبثية التي طرأت على ذهنه، هز "تافيس" كتفيه.
ما أهمية ما أناديها به؟
«أنا آسف، ولكن قد يكون ذلك صعبًا.»
«لا بأس إن لم تنادِني بأي شيء.»
«لقد تم امري ألا أفتحها.»
ومع كلماته اللامبالية، انقبض حاجبَا "شارلوت" بحدة. وإلى جوارها، شحب وجه "سابينا" التي تملكها الخوف بوضوح.
«ماذا؟»
«قلت إن من الصعب فتح البوابة الآن. بسبب الاوامر التي تقول ألا أفعل.»
«من الذي أخبرك ألا تفتحها؟ أخي؟»
لم يكلف "تافيس" نفسه عناء إخفاء نفوره، فرمق "سابينا" بنظرة عابسة وعقد ذراعيه فوق صدره.
اشتاطت "شارلوت" غضبًا من موقفه الوقح:
«أنت!»
«......»
«حتى وإن كان هذا أمر "أوسكار"، فأنا سيدة هذا القصر. وحتى "أوسكار" نفسه لا يملك الحق في منعي من دخوله. هل تفهم؟ إن قرار فتح هذه البوابة من عدمه يعود لي وحدي، أنا شارلوت فون راينهارد!»
بدا لـ "تافيس" أن السّم يتدفق من عيني "شارلوت" البنفسجيتين.
وتابعت ببرود: «تذكر هذا جيدًا؛ إن عنادك هنا سينتهي بإلحاق الأذى بسيدك. وإذا استمررت في رفض دخولي، سأضطر إلى ممارسة حقوقي القانونية.»
أصغى "تافيس" بهدوء إلى وعيدها المشؤوم، وفجأة تحولت نظرته متجاوزة رأس "شارلوت".
حجبت العربة الضخمة مجاله البصري، لكنه لمح ذئبًا متمركزًا فوق السور. وكان الذئب الذي يراقب الطريق في الخارج يعقد حاجبيه بعمق.
«......؟»
واستشعارًا منه بوجود خطب ما، خطا "تافيس" مبتعدًا إلى موضع لم تعد فيه العربة تحجب رؤيته. وفي اللحظة التي أبصر فيها ما يكمن وراءها، غصّ بالأنفاس كابتًا لعنته:
«سحقًا...»
ورغم أنه يكره الاعتراف بذلك، إلا أن تقديرات "سايمون فون بيرنهايم" كانت صائبة في العادة.
إن نبوءة "سايمون" —بأن "شارلوت" والملك "ليوبولد" سيتصرفان بسرعة بمجرد إدراكهما أن الأمر بات سباقًا مع الزمن— كانت تتحقق بدقة مرعبة.
كان الحرس الملكي التابع للملك يقترب من "راينهارد".
قبعات عسكرية سوداء، ومعاطف حمراء.
رجالٌ خالين من أي ذرة ضمير.
قطيع من الضباع المتلهفة لتمزيق "أوسكار".
«إنه الحرس الملكي يا أمي! لا بد أن جلالته قادم لمساعدتكِ!»
لمحت "سابينا" الراية المقتربة وانفجرت حماسةً وبهجة.
كما مرت مسحة من الارتياح على وجه "شارلوت" التي كانت تفترس "تافيس" بنظراتها.
نظرت "سابينا" إلى راية الحرس الملكي بزهو قبل أن تلتفت نحو "تافيس" بغطرسة علنية، ثم أصدرت أمرها:
«إلى متى تظن أنك تستطيع إبقاء البوابة مغلقة؟ إن ما تفعله لا يبرره خُلق ولا قانون! إذا عرقلت السلطة الشرعية لماركيزة راينهارد، فأيًا كنت، ستواجه عقابًا صارمًا بموجب قانون لوكسن!»
ومضت عيناها:
«حتى لو كان ذلك الشخص هو أخي!»
نظر "تافيس" إلى "سابينا"، التي كانت تتحدث بثقة من يأمر بفتح بوابته الخاصة، وحكّ أذنه بعدم تصديق:
«ليس لدي أدنى فكرة عما تتحدثين عنه.»
«ماذا؟»
«أخلاقيًا؟ قانونيًا؟ لا أدري لِمَ تثرثرين. على أية حال، أنا ببساطة أنفذ الأوامر التي تلقيتها. ولكن أخبريني بهذا.»
أقحم "تافيس" وجهه بين القضبان الحديدية وسأل بحدة:
«هل من الأخلاق أو القانون أن يصل الحرس الملكي في هذه الساعة المبكرة من الصباح وكأنهم هنا للقبض على خائن؟»
بدأ المطر الغزير يخف، وتراجع انهمار الغيث تدريجيًا، لتتضح معالم العالم القاتم ببطء. ومع عودة الضياء، بدت هيئات الحرس الملكي أكثر جلاءً.
واقترب الإيقاع الرتيب لحوافر الخيول من غابة الذئاب مثل ضغط متصاعد.
عدلت "شارلوت" شعرها المضطرب وتحدثت بصوت أكثر هدوءًا:
«لا تذلوا أنفسكم أمام جيش الملك. افتحوا البوابة.»
أما "سابينا"، التي عقدت المفاجأة لسانها لبرهة، فقد رسمت ابتسامة مشرقة على وجهها. وتألقت تعابيرها ببريق يفوق بريق السماء التي بدأت تنقشع غيومها.
تحركت عربة "شارلوت" جانباً، مخليةً الطريق أمام الحرس الملكي المقترب.
وسرعان ما بدا الجنود مرئيين بوضوح.
ضيق "تافيس" عينيه وهو يراقبهم.
ومن بين الحرس الملكي الذين كانوا يزحفون نحو غابة الذئاب، وظلالهم الطويلة تمتد أمامهم تحت أشعة الشمس البازغة، برزت قامة واحدة.
«ما هذا؟»
في مقدمة الحرس الملكي المتقدم نحو غابة الذئاب —
الرجل الذي يركب في الطليعة، وقد عقد شعره لأعلى —
كان "بيتر"، وصيف الملك.
✦ ❖ ✦
ومع بزوغ الفجر ببطء، تخللت أشعة الشمس سحب العاصفة السوداء. واخترق الضياء الأرض كأسنّة الرماح، ليسقط أولاً على قامة صغيرة.
كان شعرها الطويل، الذي لم تقصه قط، يتموج في الهواء كأعشاب البحر. وتلألأت انعكاسات ذهبية عبر خصلاته وهي تُسرح بعناية بمشط دقيق الأسنان. وتشبث ضوء شفاف بخفة بأطراف رموشها الطويلة.
«سيكون من الأفضل عقد شعركِ لأعلى.»
تحدثت "آشا" وهي ترتب شعر "سيو-آه".
جلست "سيو-آه" بظهر مفرود وأومأت برأسها.
وبيدين خبيرتين، بدأت "آشا" في تضفير الشعر. والشعر الذي اعتادت "سيو-آه" إرخاءه، مضفرًا ببساطة خلف أذنيها، تحول ببطء إلى تصفيفة غريبة وأكثر تعقيدًا. خصلة تلو خصلة، لُفّ الشعر البني الفاتح وعُقص في مؤخرة رأسها حتى بدا كغصن من الورد المتفتح.
وعندما انتهت "آشا" من تصفيف شعرها ببراعة، ثبّتت التسريحة بدبوس شعر أسود ينم عن الهيبة والوقار، دون مبالغة في البهرجة.
«لقد انتهيت. كيف ترينه؟»
وعند سؤال "آشا"، تفحصت "سيو-آه" جانب وجهها في المرآة:
«شكرًا لكِ.»
وفي هذه الأثناء، أحضر ذئاب "باربارا" عباءة المراسم المُعدة لـ "سيو-آه".
«بما أنه لا يوجد زي مفصل وجاهز، سيكون من الأفضل لكِ ارتداء عباءة المراسم.»
صُنعت عباءة مراسم "راينهارد" من طبقات عدة من الحرير الأسود الصقيل، مما منحها وزنًا وهيبة. وامتدت خطوط عمودية زرقاء عبر الظهر وجانبي الصدر. وتبدأ شرابة ذهبية مضفرة من الكتف الأيمن، وتقطع الصدر، لتمر فوق الكتف المقابل، وتتدلى بأناقة نحو الأسفل.
كانت الخطوط الزرقاء على الخلفية السوداء هي التصميم المستخدم لعباءات مراسم الماركيز والماركيزة لـ "راينهارد" منذ العصور الغابرة.
ولهذا السبب، اعتاد أهل "لوكسن" تسمية الخلفية السوداء ذات الخطوط العمودية الزرقاء بـ "مخطط راينهارد".
«إن لم يكن الشعار نفسه، فيمكن القول إن هذه العباءة تمثل ماركيزة راينهارد.»
وشاح العباءة التي قدموها لها ألقته "سيو-آه" —التي ترتدي الآن ثوبًا جافًا بدلاً من ثيابها المبتلة بالمطر— فوق كتفيها. وقفت "آشا" أمامها، لتزرر العباءة بعناية وتتأكد من استقرار الشرابة بشكل صحيح عبر كتفها قبل أن تتراجع خطوة إلى الوراء:
«لقد قُضي الأمر.»
أتمت ماركيزة "راينهارد" الجديدة زينتها الأولى في الغرفة الضيقة الملحقة بأجنحة الماركيز.
وبعد الفراغ من كل الاستعدادات، نظرت "سيو-آه" في المرآة.
شخص غريب كان يقف هناك.
وبدلاً من الأحذية التي تنتعلها النبيلات الرفيعات، كانت ترتدي جزمة عسكرية متينة. وبدلاً من فستان الزفاف، كانت تتشح بعباءة المراسم.
وفي تلك اللحظة، انسكبت الشمس التي ارتفعت بالكامل فوق جسدها كله.
والذئاب، الذين ساورهم القلق من أن عباءة المراسم قد تطغى على بنيتها الصغيرة، أدركوا أن مخاوفهم كانت هباءً؛ فشعرها المعقود بأناقة لائمها وكأنه خُلق ليكون هكذا دائمًا. والعباءة الثقيلة المنسدلة تحت عنقها النحيل بدت هي الأخرى وكأنها صُنعت لأجلها خصيصًا.
سألت "آشا"، التي كانت تراقبه بهدوء، بحذر:
«هل هناك ما ترغبين في أخذه معكِ؟ سنقوم بحزمه.»
«لا. سآخذه بنفسي.»
أومأت "آشا" رأسها بخفة بفطنتها المعهودة، وقادت الذئاب إلى خارج الغرفة.
وبعد أن تُركت بمفردها للحظة، التفتت "سيو-آه" مبتعدة عن المرآة وفتحت خزانة الملابس. لم يكن هناك الكثير لجمعه؛ فالشيء الوحيد الذي تملكه هو تلك الحقيبة القديمة التي أحضرتها معها.
وقع ظلها فوق الحقيبة البالية.
مدت "سيو-آه" يدها إلى الداخل وأخرجت يد جدها. وبكلتا يديها، رفعت العظام الدقيقة بحذر، كأنها تخشى أن تنكسر. وسقط ضوء الشمس عبر البقايا الهشة.
ولذعت وخزة حادة مآقي عينيها. وبسرعة، بدأت "سيو-آه" في لف العظام بعناية بشريط. كان الشريط أحمر، مطرزًا بفراشة — وهدية قديمة من جدها.
لم يكن أي منهما يتخيل أن شريطًا قدمه لها سيعود إليه يوماً ما بهذا الشكل.
نظرت "سيو-آه" إلى الأسفل نحو اليد الملفوفة باللون الأحمر، وعيناها صافيتان، وضغطت بجبينها عليها برفق.
ثم، وقبل أن يتملكها التردد، وقفت.
أغلقت باب الخزانة وخطت إلى الأمام. وقف باب مربع أمامها؛ وبدا وكأنه بوابة.
وراء ذلك الباب، كانت تنتظر معركة لا مفر منها.
وشعرت بنبض تلك الحقيقة تحت أضلاعها. وأحكمت قبضتها على الحقيبة، واختلج صدرها.
استجمعت "سيو-آه" أنفاسها العميقة وتحدثت بصوت خفيض إلى نفسها:
لقد حزمت أمري بالفعل.
إذا كانت معركة لا يمكن تجنبها، ولا نية لي في تجنبها، فمن هذه اللحظة سأقاتل بكل قوتي.
دون التفات إلى الوراء. دون خوف.
سأقاتل كما ينبغي، لمرة واحدة.
خرجت من الغرفة الضيقة التي كانت تقيم فيها، ثم فتحت الباب الذي شعرت بأنه بوابة.
✦ ❖ ✦
كان قصر "راينهارد" يموج باضطراب صامت.
وعلقت في الهواء رائحة حادة — شيء يشبه الاحتراق. وأسرع الذئاب عبر الممرات، يحزمون الأغراض الضرورية بحركات عاجلة.
وامتطت الحديقة عربات صُفت كالموكب؛ ليتساءل المرء أين كانت تختبئ كل هذه العربات حتى الآن.
وكانت أشياء لا تحصى تُشحن فيها.
الأمتعة الشخصية للذئاب.
صفوف من الخزائن الحديدية.
بل وحتى حيل وخدع تهدف إلى تضليل الأعداء وإرباكهم.
كان الذئاب أنفسهم يستعدون لهجر مسكنهم.
وكلهم يرتدون حُللاً سوداء.
وحتى ذئاب القتال —الذين اعتادوا التجوال في القصر بنصف ثيابهم— كانوا الآن يرتدون حُللاً سوداء مكوية بعناية وهم يجمعون ما يحتاجون إليه.
وكان ذئاب "راينهارد"، وقد ارتدوا أكثر ثيابهم رسمية، يضعون اللمسات الأخيرة على استعداداتهم لهجر الديار التي طالما ذادوا عنها وحرسوها.


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا