الفصل (23) خليلة الدوق [تركة الدوق المحرمه],
───── ◆◆◆ ─────
ربما وجد الدوق الشاب تصرف (ديز) فظاً فأظهر استياءه؛ ففي النهاية، كانت (ديز) هي من أطالت النظر إلى (يورغن) أولاً.
وسرعان ما تلاشى ضيقها العابر من صديقتها التي تسببت في هذا سوء الفهم، وفكرت في نفسها: *(على أية حال، ليس الأمر وكأنني سأتبادل معه ولو كلمة واحدة يوماً ما).*
ومع هذه الفكرة، أغلقت (ديز) عينيها وأطلقت تنهيدة صغيرة.
"ولكن كيف لاحظتِ أن الدوق الشاب كان ينظر إليّ؟"
لم يأتها أي رد من (برناديت) لفترة طويلة. وعندما استعادت (ديز) وعيها، أدركت أن موسيقى الحجرة العذبة التي كانت تداعب مسامعها قد توقفت هي الأخرى. فتحت عينيها مجدداً، وظلت تحدق بفراغ في السقف المقابل لها قبل أن تستوعب الأمر تماماً.
*(آه، لقد كان حلماً بالفعل).*
تحركت لتستلقي على جانبها وهي غارقة وسط الأغطية السميكة. كانت مريضة جداً لدرجة منعتها من ملاحظة ذلك حتى الآن، لكنها نُقِلت إلى غرفة أكبر بكثير وأكثر جمالاً، كما أن السرير كان أوسع وآنَس بمراحل من ذلك الذي كانت تستخدمه.
*(لماذا لم ينقلوني إلى غرفتي الخاصة؟)*
بالتفكير في الأمر، بدا وكأنها تبادلت بضع كلمات مع (يورغن) ليلة أمس... لكنها لم تستطع تذكر ما تحدثا عنه بدقة.
*(أظن أن يورغن مسح جبيني بضمادة مبللة).*
ربما كان ذلك أيضاً مجرد حلم.
وبفضل تناولها الدواء وحصولها على قسط وافر من الراحة، شعرت بأن جسدها أصبح أخف وزناً، وبدا أن الحمى قد انخفضت هدوءاً. تذكرت ركضها إلى الخارج في ذلك اليوم الماطر؛ وظنت أنها فعلت شيئاً تستحق عليه توبيخاً قسياً، لكن لحسن الحظ، بدا أن (يورغن) قد تجاوز الأمر دون عتاب.
*(لماذا فعلتُ ذلك؟ حتى لو كنتُ قلقة، فما كان ينبغي لي... من أنا لأقلق على شخص بمكانته؟)*
وفي تلك اللحظة، طرق أحدهم الباب. وبطبيعة الحال، لم يكن الطارق (يورغن)، بل خادمة أعلنت عن وجودها قائلة:
"آنسة شلايشر، هل يمكنني الدخول؟"
"تفضلي بالدخول."
لم تكن (ديز) قد اعتادت بعد على المعاملة المهذبة الواضحة من قِبل الخدم. وسألتها الخادمة التي ظهرت في الغرفة وهي تشبك يديها:
"هل تشعرين بأي تحسن الآن؟"
"أعتقد أنني أفضل بكثير، شكراً لسؤالكِ."
"لقد جئتُ لأسألكِ إن كنتِ ترغبين في إرسال وجبتكِ إلى غرفتكِ. إذا كان النزول إلى غرفة الطعام يشق عليكِ، يمكننا مساعدتكِ في تناول الوجبة هنا."
"لستُ مريضة لدرجة تمنعني من مغادرة الغرفة."
هل حان وقت الغداء بالفعل؟ بعد التحقق من ساعة الطاولة، تابعت (ديز) بتردد:
"في الحقيقة، لستُ جائعة تماماً."
"لا بد أن تتناولي ولو القليل" قالت الخادمة بنبرة حازمة، وتابعت: "لقد أصدر الدوق تعليمات صارمة بألا ندعكِ تفوتين أي وجبة."
بما أن (يورغن) هو من قال ذلك، لم يكن أمامها خيار.
"إذن سأنزل إلى غرفة الطعام."
ارتدت (ديز) رداءً خفيفاً فوق ثوب النوم، وتبعت الخادمة إلى غرفة الطعام، حيث كان الخدم ينتهون للتو من إعداد المائدة لأجلها. ورغم أنها ظنت أنها ليست جائعة، إلا أن رؤية الطعام جعلتها تشعر ببعض الشهية.
كانت معظم الأصناف المرتبة على المائدة الكبيرة أطعمة خفيفة وغير مجهدة للمعدة. وبينما كانت تفكر في أن المائدة تبدو كوجبة أُعِدَّت خصيصاً لسيدة نبيلة وعليلة، قال خادم واقف في الجوار:
"هذه أطباق اختارها الدوق بنفسه وأمرنا بإعدادها."
*(يورغن...؟)* عجزت عن السؤال مباشرة وترددت، ثم التقطت الأدوات الفضية. كان حساء الكريمة الدافئ لذيذاً، لكن لماذا ذهب (يورغن) إلى حد اختيار قائمة الطعام وتوجيه الخدم بنفسه؟
لقد أظهر لها اللطف في بعض الأحيان سابقاً، لكنه لم يكن قط بهذا الاهتمام الدقيق. وخطر ببالها فجأة خاطر غريب وساذج: *(وكأنه يريد الاعتذار عن إصابتي بالبرد).*
بالطبع، كان ذلك غير منطقي؛ فـ(يورغن) لم يكن رجلاً يبدو عليه أنه قد يعتذر لأي أحد. ومهما كانت نواياه، فإن شيئاً واحداً كان مؤكداً: إن حياة (ديز) كانت تتحسن بشكل ملحوظ بفضل (يورغن)، وعلى أقل تقدير، كان يحاول معاملتها ليس كمجرد مدينة بمال، بل كإنسانة مكافئة.
*(أريد أن أظهر امتناني بطريقة ما أنا أيضاً).*
وبينما كانت تفكر بعمق في طريقة مناسبة للقيام بذلك، أنهت (ديز) طبق الحساء الذي قُدِّم لها.
كانت شركة التوريدات العسكرية التي تديرها عائلة الدوق (كلاوس) لعدة أجيال بمثابة ملاذ لـ(يورغن) أيضاً؛ مكان يكون فيه حراً من كل ما يشغل عقله ويزعجه، وفي الشركة، لم يكن مضطراً لمواجهة أي زوار غير مرغوب فيهم.
مر الوقت سريعاً بينما كان يناقش العمل مع المسؤولين التنفيذيين ويراجع المهام المختلفة. وشعر بأنه يجد المسار الصحيح مجدداً، فاستقرت مشاعره المضطربة ومالت إلى الهدوء والسكينة.
اقترب سكرتير من (يورغن) الذي كان يجلس في مكتبه الخاص يراجع الوثائق.
"يا صاحب السعادة، إليك الوثائق التي طلبتها."
أخذ (يورغن) الملف دون رد محدد، فتابع السكرتير تقريره:
"بعد نحو أسبوعين، سيقام احتفال كبير في مدينة (غوتا) لإحياء ذكرى يوم النصر."
"هل حان ذلك الوقت بالفعل."
قبل نحو عشرين عاماً، اندلعت حرب عظيمة كانت بمثابة معركة تقرر مصير الإمبراطورية. وظل اليوم الذي حققوا فيه النصر في تلك الحرب —التي حصدت الكثير من الأرواح— أحد أهم الأيام التذكارية في الإمبراطورية منذ ذلك الحين.
ولو كان الأمر يقتصر على إقامة احتفال فحسب، لما كان هناك داعٍ ليرفع السكرتير تقريراً بشأن ذلك لـ(يورغن). ففي يوم النصر، يجتمع الشخصيات المرموقة من الدول الحليفة ورجال الأعمال في مكان واحد. وبصفته رجلاً يمسك بالصناعة العسكرية للإمبراطورية بين يديه، لم يكن بإمكان (يورغن) تفويت مثل هذه المناسبة.
ورغم أنه يمقت الأماكن المزدحمة بكل أصناف البشر، إلا أن الأمر كان حتمياً الآن بعد أن تولى المنصب الذي يمثل عائلته. وشعر بصداع يلوح في الأفق، فمسح على صدغه وتنهد بخفة:
"ليس لدي خيار، سأضطر للحضور."
"إذن سأنظم الجدول وفقاً لذلك في ذلك اليوم، يا صاحب السعادة."
"هل يتعين عليّ البقاء هناك لنحو أسبوع هذه المرة أيضاً؟"
"يجب أن تتوقع فترة تتراوح بين أسبوع إلى عشرة أيام. وسأطلعك على الجدول الدقيق فور توفره."
لم يكن مغادرة القصر مشكلة كبيرة؛ فحتى دون الاحتفال، كان يحتاج كثيراً لزيارة مناطق أو دول أخرى لأجل العمل في المستقبل. علاوة على ذلك، فإن مدينة (غوتا) التي ذكرها السكرتير لم تكن بعيدة عن العاصمة التي يقيم فيها (يورغن). وبينما كان يفكر في غيابه عن القصر لنحو عشرة أيام، خطر بباله فجأة اسم كان قد نسيه للحظة.
إذا غادر القصر، فستُترك (ديز) هناك بمفردها بطبيعة الحال. وبالطبع، سيكون الخدم معها، لذا فإن القول بأنها ستكون "بمفردها" لم يكن دقيقاً تماماً، ولكن هل سيكون من الأمان إبقاءها بعيدة عن ناظريه لأسبوع على الأقل؟
كان قلقاً. وفي النهاية، لم يملك (يورغن) إلا أن يطرح سؤالاً لم يكن مدرجاً في خططه:
"هل أمنت قائمة الحاضرين؟"
"آه، بشأن ذلك... بما أننا لا نزال نؤكد الحضور، فسيستغرق الأمر نحو يومين قبل استكمال القائمة نهائياً."
"سمو الأمير..."
أراد (يورغن) الاستفسار عن شيء آخر، لكنه أعاد نظره إلى الوثائق وقسا صوته:
"لا يهم. كدت أسأل عن شيء لا داعي له."
كان من البديهي أن يحضر الأمير (ليوبولد) الحدث نفسه؛ فكيف لرجل يوشك على اعتلاء العرش ألا يظهر وجهه في احتفال يوم النصر؟ وإذا كان الأمر كذلك، فبإمكانه الاطمئنان قليلاً؛ فعلى الأقل لن يضطر للقلق بشأن اقتراب الأمير من (ديز) أثناء غيابه.
*(لماذا يتعين عليّ أصلاً القلق بشأن مثل هذه الأمور؟)*
قدم السكرتير تقريراً آخر للدوق، الذي كان يمسك بالوثائق ولكنه كان مستغرقاً بوضوح في أفكار أخرى:
"هل ستحضر الحفل الذي دعاك إليه سمو الأمير؟"
هل كان ذلك اليوم بالفعل؟ وسواء كانت كلماته حول رغبته في الاستمتاع بوقته تماماً قبل اعتلاء العرش صادقة أم لا، فقد كان يقيم الحفلات بتواتر أكبر من ذي قبل. وكان (يورغن) يُدعى كثيراً إلى حفلاته أيضاً، لدرجة جعلته يفكر بلا فائدة في أن الأمير ربما يقيم الحفلات لمجرد إرسال هذه الدعوات المزعجة إليه. وإذا لم يحضر دون سبب وجيه، فمن يعلم أي ممسك قد يجده الأمير ليضايقه به.
*(إلى متى سيتعين عليّ الاستمرار في هذا؟)*
ومع هذه الفكرة، أجاب (يورغن) باقتضاب:
"سأحضر."
كانت الفيلا الملكية، الواقعة على بعد 400 كيلومتر إلى الغرب، أحد الأماكن المفضلة لدى (ليوبولد). ولأنه رفض تماماً رفع اسم (يورغن) من قائمة الضيوف، فقد أصبح الطريق إلى الفيلا مألوفاً لـ(يورغن) منذ زمن طويل. ولم يكن أمامه خيار؛ فهذه المرة، كان يفتقر إلى عذر كافٍ لعدم الحضور.
كان من الواضح أن الأمر سيكون مرهقاً، ولكن أكثر من ذلك، فإن اضطراره لتبديد الوقت في هذا النوع من صراعات النفوذ جعله يتنهد ضيقاً.
عاد (يورغن) إلى قصر الدوقية لتبديل ملابسه. ولم يكن شعور ربط وشاح الساتان الأبيض فوق ملابسه الرسمية مريحاً له على الإطلاق.
*(أشعر برغبة في الراحة بالفعل).*
وبعد إتمام استعداداته بمساعدة الخدم، غادر (يورغن) القصر مجدداً ووقف أمام عربته. وفجأة، شعر بحضور لفت انتباهه، فالتفت برأسه وتردد للحظة.
كانت (ديز) تقترب من الممر المؤدي إلى الحديقة الخلفية. وبدت مرتبكة نوعاً ما، وكأنها هي الأخرى لم تتوقع مواجهة (يورغن).
وبعد وقفة ممتلئة بالارتباك، تمالكت (ديز) نفسها سريعاً وأظهرت احترامها برفع حافة تنورتها قليلاً:
"أنت هنا، يا صاحب السعادة."
أعاد (يورغن) ترتيب الوشاح تحت ياقته دون وعي. وكان لا يزال من الصعب عليه النظر في عينيها مباشرة وسألها:
"لماذا أنتِ في الخارج؟
"
"أنا... أردتُ أن أتنزه قليلاً. يبدو الطقس جميلاً ومناسباً للغاية اليوم..."


إرسال تعليق
0 تعليقات
تعليقاتكم تشجعنا