الفصل (54) ثمرة الجنه الذابله[الفاكهة المتساقطه تحت الفردوس]

 


لم تكن ليزبيل تدرك أن محاولتها للابتعاد قد وضعتها في موقف أكثر ضعفاً أمام أولريش. لو أدركت ذلك، لربما اختارت التراجع قبل أن يقودها إلى هذه المساحة الضيقة.

كان أولريش يراقبها بهدوء، ثم بادر بفتح الحوار بنبرة حازمة: "تعالي معي إلى العاصمة."

ترددت ليزبيل للحظة، كان صوتها أجشاً وجافاً عندما أجابت: "لماذا العاصمة؟"

أغلق أولريش الصنبور، وساد صمت قصير قبل أن يجيب وهو يقف خلفها، بنبرة بدت ظاهرياً كأنها اهتمام، بينما كانت تخفي وراءها نوايا أكثر تعقيداً: "لديّ أعمال يجب أن أنجزها هناك، ولا يمكنني ترككِ وحدكِ في هذه الفيلا بينما أنا بعيد."

صمتت ليزبيل، لكن أولريش استطرد بذكاء ليضغط على وتر حساس لديها، مدركاً تماماً ما الذي قد يجعلها تمتثل: "في العاصمة، يا سيدة أوزبورن، يمكنكِ الحصول على رعاية طبية أكثر دقة وشمولاً. المرافق والمعدات هناك متفوقة بكثير على ما هو متاح هنا."

أمسك أولريش بذقنها وأجبرها على النظر في عينيه، ثم أضاف بتمهل: "إذا رافقتني إلى العاصمة، فلن تضطري للقلق بشأن تكاليف العلاج."

ساد صمت طويل. لم يكن أولريش يشعر أن هذا الصمت علامة رفض. كان يعلم أن ليزبيل القديمة كانت لترفض بعناد متمسكة بكبريائها، لكن الوضع الذي واجهته اليوم مع والدتها المريضة جعلها أكثر هشاشة. كان يدرك تماماً أن استغلال قلقها على والدتها هو الوسيلة الأكثر فعالية لكسر مقاومتها.

ابتسم أولريش بنصر خفي، ثم قال بنبرة هادئة ومحسوبة: "ليزبيل، ألم تدركي بعد أن والدتكِ هي كل ما تبقى لكِ في هذا العالم؟ لذا، يجب أن تضعي مصلحتها كأولوية قصوى."

تراجعت ليزبيل إلى الوراء، كانت كلماته تعمل كقيود تفرض عليها القبول. أدرك أولريش أنها بدأت تنهار، فتابع بأسلوبه المراوغ: "ثلاثة أيام فقط، وسنكون في العاصمة. ألا تظنين أن والدتك تستحق هذا الجهد؟"

تنهدت ليزبيل، وكانت نظراتها تتنقل بين الهروب وبين الشعور بالمسؤولية الذي يثقل كاهلها. لم يكن أمامها خيار حقيقي، وأولريش كان يعرف ذلك جيداً.

"هل هذا هو قراري الأخير؟" سألت بصوت منخفض.

أجابها أولريش بابتسامة غامضة وهو يغادر الغرفة: "القرار هو لكِ دائماً، لكن العواقب.. هي ما يجب أن تفكري فيه."

بقي أولريش يراقب ارتباكها، مستمتعاً بكونه استطاع دفعها إلى الزاوية التي يريدها، ليس فقط لاصطحابها، بل لإخضاعها لمنطقه الخاص.

تعمقت ابتسامة أولريش الماكرة، ولمع في عينيه بريق شيطاني يعكس شغفاً جامحاً، بينما كان يراقب مقاومة ليزبيل التي بدأت تتلاشى أمام إصراره.

كانت ليزبيل تحاول جاهدة التراجع، متمسكة بذراعه في محاولة يائسة للهروب، لكن كل محاولاتها كانت تبوء بالفشل. كان الضغط النفسي الذي يمارسه عليها كفيلاً بجعل جسدها يرتجف من التوتر، وشعرت بأن أعصابها مشدودة إلى أقصى حد، كأنها في حالة من الذعر الوجودي.

نظر أولريش إليها وهي تحاول التشبث به بضعف، ثم انحنى قليلاً ليقترب من وجهها، وقال بنبرة خافتة تحمل الكثير من التهديد المبطن: "اهدئي."

كانت ليزبيل ترتجف، غير قادرة حتى على التقاط أنفاسها، محاولة يائسة أن تبعد نفسها، لكنه أحكم قبضته عليها. كانت تشعر بأن كل ذرة في كيانها تهتز من وطأة الموقف. وعندما حاول أولريش أن يجرها لتستقر على أرضية الحمام الباردة، قاومت ليزبيل بضعف، لكنه أجبرها على الاستسلام لواقعه الذي يفرضه عليها.

غامت رؤية ليزبيل، وبدأت تسيطر عليها مشاعر من الازدراء للذات. كانت تشعر بأنها حقيرة وهي ترى نفسها في هذا الوضع، خاصة بعد أن ظلت تفكر طوال اليوم في تخليها عن والدتها المريضة وفشلها في إنقاذها. كان هذا الشعور بالذنب يعتصر روحها، وكأن ما تمر به الآن هو عقاب إلهي على تخليها عن إنسانيتها.

"ألم أخبركِ ألا تفكري؟" همس أولريش بصوت حاد اخترق صمت الحمام.

لم تستطع ليزبيل الرد، فأكمل هو بنبرة باردة ومحسوبة: "الآن هو الوقت المناسب للتركيز على تعافي والدتك. ليزبيل، أنتِ ابنة بارة، لذا... يجب أن تأتي معي إلى العاصمة."

في تلك اللحظة، تلاشت الأفكار التي كانت تتراكم في عقلها كالمياه السوداء، تاركة إياها في حالة من الفراغ التام. شعرت بجسدها وكأنه دمية من القش لا إرادة لها، تهتز مع كل حركة أو كلمة تصدر منه.

سمعت في مخيلتها أصواتاً بعيدة، كأنها أصداء طلقات نارية، وشعرت بأن الواقع يبتعد عنها تدريجياً. لم يعد هناك شيء واضح سوى ذلك البريق الشيطاني في عيني أولريش وهو ينظر إليها من علٍ.

"هل تفهمين؟"

جاء صوته كطلقة نارية استقرت في مسامعها، مطالبًا بإجابة. ومع قلبها الذي كان ممزقاً بالفعل من الألم والندم، تمتمت ليزبيل برد غير مفهوم. لم تكن تدرك ما قالته بالضبط، لكن عندما رأت ملامح الرضا والابتسامة الماكرة التي ارتسمت على وجهه في اللحظة التالية، أدركت أنها قد أعطته الإجابة التي كان يسعى لانتزاعها منها.

الفصل (54)



إرسال تعليق

0 تعليقات